اسماعيل بن محمد القونوي

74

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

أي مما يؤكد المدح بما يشبه الذم وجه تأكيد المدح بما يشبه الذم من جهة أن الأصل في الاستثناء الاتصال فذكر أداة الاستثناء قبل ذكر ما بعده وهو المستثنى يوهم إخراج شيء وهو المستثنى مما قبلها أي قبل أداة الاستثناء وهو المستثنى منه وهو الحق « 1 » المنفى هنا أي توقع في وهم السامع وظنه أن غرض المتكلم أن يخرج شيئا من افراد ما نفاه وهو الحق هنا كما عرفته ويريد إثباته حتى يحصل فيهم شيء من « 2 » الحق الذي استحقوا به الإخراج من الديار وإذا وليها صفة مدح وهو قول : رَبُّنَا اللَّهُ [ الحج : 40 ] حصل التأكيد لما فيه من المدح على المدح لأن فيه إشعارا بأنه لم يجد فيه صفة ذم حتى يستثنيها فاضطر إلى استثناء صفة مدح فعلى هذا الاستثناء متصل تقديرا فيكون البدل من حق مختارا لما في غير من معنى النفي فيكون الكلام غير موجب تام فيؤول الكلام إلى نفي النفي وهو إثبات في أصل المعنى فيكون المعنى أخرجوا من ديارهم بأن يقولوا : رَبُّنَا اللَّهُ [ الحج : 40 ] . قوله : ( وقيل منقطع ) فحينئذ لا يحتاج إلى البيان وفي الأول أيضا منقطع لكنه قدر متصلا كما عرفته ثم تحول الاستثناء من الاتصال إلى الانقطاع وتمام هذا البحث في فن البديع . قوله : ( بتسليط المؤمنين منهم على الكافرين لخربت باستيلاء المشركين ) بتسليط الخ هذا بقرينة قوله : لَهُدِّمَتْ [ الحج : 40 ] الآية وأما عكسه فمعاذ اللّه تعالى فيتحقق الهدم المذكور ولذا لم يحمل عليه أيضا مع أن قوله : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ [ الحج : 40 ] الآية يحتمل الأمرين قوله باستيلاء المشركين الخ إشارة إلى ما ذكرناه . قوله : على طريقة قول النابغة ولا عيب فيهم البيت يعني أن قوله آمنا في محل الجر على الإبدال من حق أي أخرجوا بغير سبب موجب للإخراج سوى التوحيد الذي هو موجب للتثبيت والتمكين في ديارهم لا موجب للإخراج والتسيير عنها فوجه كونه على طريقة قول النابغة إنه من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم أي اخرجوا بلا سبب موجب للإخراج إلا بقولهم ربنا اللّه إن كان هذا سببا موجبا لكنه ليس بسبب موجب فأكد الإخراج بغير حق بما يشبه الإخراج بحق ومعنى التأكيد هنا من حيث إنه أوهم قصد استثناه بعض ويتناوله المستثنى منه فلم يوجد فاضطر إلى استثناء نقيضه فجاء به التأكيد ومثله هل تنقمون منا إلا أن آمنا باللّه وهذا إذا كان الاستثناء استثناء اتصاليا وأما إذا حمل الاستثناء على الانقطاع فلا يجري فيه هذا الاعتبار بل يكون كلمة ألاح بمعنى لكن . قوله : لخربت باستيلاء المشركين على أهل الملل أي لهدم في شريعة كل نبي مكان عبادتهم لهدم في زمن موسى الكنائس وفي زمن عيسى البيع والصوامع وفي زمن محمد المساجد أو لهدمت مساجد المسلمين ومتعبدات أهل الكتاب الذين في ذمتهم في زمن أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فلفظ المشركين في قوله باستيلاء المشركين على الأول عام وعلى الثاني خاص .

--> ( 1 ) أشار به إلى أن غير هنا بمعنى النفي لا بمعنى صفة مغايرة . ( 2 ) والتوحيد وإن كان داخلا في الحق لكنه ليس داخلا في المراد بالحق هنا لأن المراد به الحق الذي يستحقون به إخراجهم من ديارهم فجعله سببا للإخراج من قبيل التعليق بالمحال فيكون كدعوى الشيء ببينة .